أسياد بلا سيادة

الأربعاء 18-11-2015 08:34

فرنسيون في بنغازي ؟

كتب

أسياد بلا سيادة
2015-11-18
بقلم: مصطفى الفيتوري
الرئيس في رئاسته كما الوزير في وزارته والمدير في أدارته والغفير في غفارته والعلم على ساريته.

القاسم المشترك بين هؤلاء الخمسة هو ان كل واحدا منهم يمثل سيادة الدولة ألن كل واحد منهم يمارس شكلا من اشكال تلك السيادة أويختزل جزء منها،وهم فرادى ومجتمعون (بما فيهم العلم) يأمرون وينهون بحكم الوظيفة والقانون والسيادة التي تتمثل فيهم وهم ممثلوها ولهذا فإهانة موظف عمومي (الرئيس كما الغفير كلاهما موظف عمومي) هي جريمة يعاقب عليها القانون شأنها شأن إهانة العلم،ونداء العلم ــ أي أمره بأن تتم تحيته ــ والمعنى السيادي لنداء العلم ــ هو نداء الدفاع عن الوطن كما يعني أيضا تأدية الخدمة العسكرية في بعض الدول.

ذلك هو الحال الطبيعي بمفهوم الدولة الحديثة أي دولة ذات سيادة مهما كانت تلك الدولة منقوصة.

ولكن في ليبيا الأمر مختلف كثيرا عما هو عليه الحال في بقية دول العالم،اذ ليس لأي من الخمسة المذكورين أي سيادة حقيقة يمكن له أن يمارسها أو يعبر عنها أو يتمثلها (العلم كرمز للسيادة) بما يعبر عن وجوده وبالتالي عن وجود الدولة بمفهومها السياسي والقانوني.

فالرئيس مهدد بالخطف وحتى الإغتيال أو بإجتياح مكتبه ذات صباح أو أول المساء التالي او حتى في عز ظهر المدينة المحروسة من قبل خفافيش الإغتيالات, والوزير مهدد بفرض ما يريده المسلحون أو إجباره على الإستقالة او قبول المفروض عليه وهو في وزارته قد يخاف أقل الموظفين درجة اذ من المحتمل أن يكون للموظف البسيط صلة قوية بأحد المليشيات أو أبنه أحدهم أو زوج عمته قريبهم. كما يخشى الوزير الملثمون الذين قد يتربصون به ان هو أغفل شرعيتهم (الثورية) أو تأخر في دفع مرتباتهم الشهرية فيما يمعنون هم في تدمير البلد ولهذا يختار بعض الوزراء العمل ليس من مكاتبهم بل من أماكن غير معروفة الا للقلة القليلة جدا.

والمدير كما أشتكى لي صديق (مدير) في أحد شركات الإتصالات من قلة الحيلة حين أخبرته عن عطل بخط الهاتف لدي بقوله: والله ربي يستر..سأطلب من الموجودين في الصيانة ان يعالجوا المشكلة ولكن لا أضمن الأمر وحين سألته لماذا رد قائلا وبهدوء: انا مدير حق ولكن بلا مديرية (بلا سلطة) وجماعة الصيانة يمكنهم باعتصام بسيط أن يقطعوا عيشي هذا اذا لم يقطعوا رقبتي!

والغفير لا سيادة له على غفارته لأنه ببساطة معٌرض ليس فقط للسرقة بل ولقطع عنقه أن هو جادل (حتى دون محاولة ردع) اللصوص القادمون لسرقة ما كان يغفره أكان دقيقا أو كبلات كهرباء وان حاول منعهم فتلك مصيبة أكبر لأن أسرته بأسرها قد تنعت بأنها أزلام و(طحالب) وبقية الصفات التي تعني الموت موتا أو الموت حياة وفي أسوء الأحوال يظل نصيبه كنصيب غفير رئيس الوزراء صباح أختطاف هذا الأخير وهو خير شاهدا على ما نقول.

أما العلم على ساريته فأمره أكثر تعقيدا ودلالاته أكبر ورمزيته أشمل: فعلمنا الحالي تم فرضه علينا ونحن المواطنون الطيبون لم نٌسال عنه في دولتنا الديمقراطية بل هو أحد أسباب الشقاق بيننا ومن جانب أخر هو لايمثل شئ من سيادة دولتنا المحررة: فالعلم كرمز للدولة هو أختزالا لسيادتها وأستقلالها وتمثيلا رمزيا لكرامتها.لكن واقع حالنا يقول أن علمنا الحالي لا يمثل أي سيادة تماما كما كان حاله أول مرة يرفعه فيها أجدادنا البسطاء يوم ان رماه اليهم احد مستشاري جلالته منذ ستون عاما خلت ،يومها رفرف العلم على ساريته أيضا ولكن ليس أي سارية في الملاحة او الوطية أو العدم ولا حتى بالقرب من أي منها ومع هذا كان يمثل السيادة تماما كما يمثلها اليوم فهو يرفرف على مقر المؤتمر الوطني ومقر رئاسة الحكومة ومقر البرلمان وعلى نقاط التفتيش في الجبهات وعلى معبر رأس أجدير (الي جانب علم اخر قيل انه يمثل جزء من الليبيين) كما يرفرف على البيوت والمصارف والمخابز كما على مداخل البلد ومخارجها ومع هذا ومن تحت ساريته مر ويمر مختلف أشكال العملاء و المأجورين والجواسيس من أتباع قطر الي أخر السلسلة وربما تكرم بعضهم بتحيته. والأكثر من هذا ـ ومن تحت السارية نفسهاـ أرسلت صديقتنا امريكا فرقة تناول أفرادها القهوة وبعض “المبطن” وتحلوا بقليلا من البكلاوة الأصيلة تم احتسوا الشائ الأخضر ورحلوا كما دخلوا ولكن بعد ان أخذوا معهم أبو أنس الليبي وكأنه خروف أو راعي غنم في أحد الأودية البعيدة لا اوراق ثبوتية لديه وربما كان العلم أيضا يرفرف على مدخل منزله في قلب العاصمة فالرجل من “الثوار”! وكررت صديقتنا فعلتها في بنغازي من تحت علم اخر حين خطفت ابوختالة. ونفس علمنا هذا رمته أميركية حسناء أرضا أثناء مرافقتها للمأفون جون مكين خلال زيارته الشهيرة لـ”الثائرة” بنغازي في أبريل من عام “الثورة.” وفيما بين الحادثين ـــومن تحت ذات العلم ـــ مر عساكر أمريكيون قيل أنهم من أمن السفارة من طرابلس حيث السفارة الي صبراته حيث لا سفارة ليؤمنوها وقبض عليهم وبحوزتهم أسلحة. العساكر الأربعة بحملهم للسلاح خارج أسوار سفارتهم أنما يخترقون ليس فقط ٌ سيادة الدولة بل وقوانينها أيضا لأن العرف الدبلوماسي يحرم على حراس السفارات ــ غير أولئك الذين تخصصهم الدولة المضيفة ــ أن يحملوا السلاح خارج أسوار سفارتهم بل ويمنعهم من الخروج حتى الي باب سفارتهم وهم يرتدون زيهم العسكري الرسمي.

وعودة الي العلم وأحوله هذه الأيام ـــ أذ أنه انزوى من المشهد العام الذي هيمن عليه لفترة من الزمن خاصة بين نهاية عام 2011 ومنتصف عام 2014 وصار لا يظهر الا في اماكن غير متوقعة مثل أكداس القمامة أو بالقرب من هياكل السيارات المدمرة او في زوايا منزوية في الشوارع الفرعية ــ بعد ان كان يزين الطرقات والبيوت ومآدن المساجد ويكاد يكون جزء من الحياة اليومية.

ولكوني أحترم بلدي والقانون فيها وأقدس السيادة فأنني أتحسب للحرج الذي سأجد نفسي فيه فيما لما وضعت في موقف يتطلب مني تحية العلم؟ هل أحييه كما يجب أم أسمح لذاكرتي بأن تستدعي حقيقة أن الصومال ــ الذي لا دولة فيه ــ منذ عقود لم يفرض على أهله أي علم بانتظار أن يكون لهم حق الإختيار ضمن أطار الدولة ذات السيادة،أما نحن فقد فٌرض علينا العلم مع أننا أحسن حالا من الصومال او هكذا أتوهم أحيانا. أتٌرانا ((ثرنا)) لنتحرر فقط أم تُرى أهل الصومال قد ثاروا ليتفرقوا ويبقوا على العلم أم أنني واهم ثانية؟ وكغيري ممن أطلعوا على بعض التاريخ لدي حساسية “تاريخية” من هذا العلم فهو يرمز الي فرقة ليبيا لأنه يتركز حول علم أمارة برقة وزعيمها الراحل الملك “الجليل” ــونحن اليوم نتخاصم حوله ولكن دون اعلان فأحد ركائز المشروع الفدرالي هو العلم. لو أن من ارتأوا تحريرنا اختاروا مثال علم الجمهورية الطرابلسية لعام 1917 لكان قبوله سهلا ورمزيته أشمل وأغنى مبادئ وفيما كونه على الإقل يؤرخ لأول جمهورية في المنطقة بما يعنيه ذلك من أستنارة في التفكير وأستباقا للمستقبل وولادة مبكرة للتفكير الحضاري يعكس تقدما ورقيا عكس أنحطاطنا وتخلفنا الحاليين. وبالرغم من قولي هذا نظل أسياد بلا سيادة والله اعلم!
مصطفى الفيتوري

 

نبدة عن الكاتب:

** د.مصطفى الفيتوري: صحفي واكاديمي ليبي من مدينة بني وليد. اغلب كتاباته بالإنجليزية وتنشر في أمريكا وبريطانيا وألمانيا. له مساهمات فكرية كثيرة وهو محاضر في علم الإدارة وفائز بجائزة الإتحاد الاوربي لحرية الصحافة للعام2010

اضف تعليق

مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على موقع اخبار ليبيا | ، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق

بروتوكول نشر التعليقات من اخبار ليبيا |

اخبار ليبيا

أخر الاخبار