دولة ليبيا.. هل هذه دولة؟!

الرصيفة الاخبارية28 نوفمبر 2013wait... مشاهدةآخر تحديث : منذ 7 سنوات
دولة ليبيا.. هل هذه دولة؟!

دولة ليبيا.. هل هذه دولة؟!
28-11-2013
الدولة المدنية بناء مؤسساتي سياسي إداري رصين ، فلم ترتق الشعوب في سلم التنظيم والإدارة بصورة عشوائية بل يتطلب الأمر الاطلاع على التجارب التاريخية والخبرات الواسعة والاعتماد على الكفاءات المؤهلة لإستيعاب نظريات البناء والقدرة على إجراء التطبيقات؟. ولا يستقيم البناء الديموقراطي لأي دولة دون تجلّي روح المواطنة في علاقات كل فرد بمؤسسات الدولة التي يعد الهدف الأساسي من وجودها هو خدمة المواطنين وتوفير ما يحتاجون إليه في حياتهم الفردية والجماعية، من أمن واطمئنان واستقرار، والسهر على تنظيم شؤونهم العامة انطلاقا من خياراتهم ، وفي المقابل يرتبط المواطنون بالولاء الكامل لـ (الوطن) الذي لا يعني مجرد حيز جغرافي، وعلم يرفرف فوق البنايات الرسمية، ونشيد يُنشد في المراسم الرسمية والمناسبات الوطنية ، وإنما يشمل في مفهومه الواسع مجموعة من القيم والمبادئ والقضايا التي تعكس الإرادة العامة للمواطنين. في العالم وعبر التاريخ يبرز نمطان للدولة ، الأول الدولة النموذجية ( الدولة الدستورية القائمة على القانون والمؤسسات) والنمط الثاني شبح الدولة (دولة فوضوية …. دولة الوصوليين والفاسدين القائمة على الظلم والجور). في الحالة الليبية الراهنة أسئلة موضوعية بحاجة إلى إجابات موضوعية ، ماذا عن الدولة الحالية التي أفرزتها مرحلة ما بعد فتنة 17 فبراير 2011؟ هل تمكن رموزها من بناء هيكليتها الإدارية والسياسية بموجب خبرات الدول الصهيوصليبية التي ساعدتهم على تدمير مؤسسات دولة النظام الليبي السابق؟ هل من يحكم ليبيا اليوم يحكمها بعقلية الدولة ، أم عقلية مافياوية ؟ وهل أجهزة الجيش والشرطة والأمن ،هي أجهزة مهنية ، أم هي عبارة عن مليشيات مسلحة تابعة للمناطق والأحزاب المتنفذة التي تحكم البلاد؟! وللإجابة على مثل هذه الأسئلة الجارحة ، لابد أن نضع المواطن في الصورة ، الصورة يراها هو لا نحن فحسب، فكل ما يجري على أرض الواقع ، يشير بوضوح تام لا لبس فيه ، أن المليشيات المسلحة ومن يقف ورائها في المجلس الوطني الانتقالي سابقا والمؤتمر الوطني العام حاليا وأجهزة الحكومات المتعاقبة ، هي من له القرار النافذ في السلطة ، وقد صرّح العديد من المسؤولين بأن المليشيات المسلحة هي من لها اليد الطولى في تقرير مصير البلاد ، ونضرب أمثلة وهي كثيرة جدا بهذا الاتجاه ، فالمجلس الوطني الانتقالي اُجبر على إصدار القانون رقم 37 لسنة 2012 والقانون رقم 38 لسنة 2012، رغم مخالفة فحواهما لمضمون الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس ذاته! و تعارضهما مع قواعد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ، ومن بعده اُجبر المؤتمر الوطني العام على اصدار القرار رقم 7 لسنة 2012 الذي شكّل سابقة في تاريخ ليبيا إذ لأول مرة تتخذ سلطة تشريعية قراراً تنفيذياً يشرّعن استخدام القوة المسلحة ضد مدينة ليبية ساكنتها هم جزء اصيل من الشعب الليبي ، حيث رخّص لمليشيات قبيلة مصراته وأتباعها بالهجوم المسلح على منطقة بني وليد (معقل قبيلة ورفلة) والسماح بقصف أحيائها السكنية بصواريخ الـ غراد ودكّها بالدبابات والمدافع الثقيلة المحملة بالدخائر المحرمة دولياً على مدار شهر اكتوبر2012 مما تسبب في قتل وجرح المئات من المدنيين بينهم أطفال ونساء وشيوخ ناهيك عن اعتقال مئات من الشباب والشيوخ وتصفية العشرات منهم تحت التعذيب في سجون مليشيات مصراته وسوق الجمعة وتاجوراء ، فضلاً عن حرق ونهب مساكن ومحال الآف المواطنين والمؤسسات العامة من بنوك ومستشفيات ومصانع وغيرها. ان ما حدث في مدينة بني وليد يرقى بما لايدع مجالا للشك لمستوى الجرائم ضد الإنسانية ، ويبرهن بشكل واضح على الضعف الذي تعانيه مؤسسات السلطة الرسمية بسبب تغوّل مليشيات المدن المسلحة التي نصبت نفسها وصيا ً على الشعب الليبي و أعطت لنفسها حق التصرف كيفما تشاء وفرض سلطانها على من تشاء ، وآخرالدلائل تجلّى في تهديد المليشيات الظلامية وعلى رأسها مليشيات مصراته وسوق الجمعة وتاجوراء والزاوية للمؤتمرالوطني العام واجباره بقوة السلاح على اصدار قانون العزل السياسي والإداري في مايو2013. باختصار هناك مليشيات مسلحة فوق القانون تعرفها الحكومة ، وتعمل بنفوذ واسع في دوائرالسلطة الحاكمة ، وتمارس عمليات قتل واعتقال وخطف واغتصاب وسطو وسرقة الممتلكات الخاصة والعامة بمافيها بنوك حكومية ووصل ببعضها التطرف لحد تفجير وحرق مراكز الشرطة ومقار المحاكم ومقرات مصالح حكومية وقفل وزارات ومطارات ومواني وحقول نفطية مستخذمة سيارات أجهزة الحكومة وأسلحتها ونفوذها وزيها العسكري ، والليبيون أصبحوا بشكل متزايد تحت رحمة الميليشيات التي تعمل خارج سلطة القانون ، ويجري الرد على الاحتجاجات الشعبية ضد الميليشيات بإطلاق النار عليها، ففي ما عُرف بـ يوم السبت الأسود الموافق 9 يونيو 2013، قتل بالرصاص 43 متظاهراً، وجرح العشرات منهم فيما كانوا يتظاهرون خارج ثكنات مليشية المصراتي وسام بن حميده المسماة “درع ليبيا رقم 1″ في منطقة الكويفية ببنغازي، وفي ما عُرف بـ يوم الجمعة الدامية بطرابلس الموافق 15 نوفمبر الجاري ، قُتل 48 متظاهراً ، وجُرح المئات منهم جراء اطلاق النار على المتظاهرين السلميين بحي غرغور السكني بطرابلس من قبل مليشية المصراتي الطاهر باشا آغا. ما يحدث في ليبيا اليوم بين السياسيين ، يعكس تدهورا كبيرا في مجال نضوج العقل السياسي ، أو هو ينم عن تطاحن عنيف بين مجموعة من الفرقاء قد بلغ الى حد اختطاف رئيس الوزراء يوم 10 اكتوبر 2013 من قبل احدى المليشيات المسلحة الموالية لكثلة الإسلامويين المتطرفين المسماة ” الوفاء للشهداء ” بالمؤتمر الوطني العام في محاولة لإجباره على تقديم استقالته بعدما فشلت في تجميع الأصوات اللازمة لتحقيق النصاب القانوني لحجب الثقة عن حكومته!. وأخيراً حادثة اختطاف نائب رئيس المخابرات يوم 16 نوفمبر الجاري، والحبل على الجرار كما يقال!. فأين الدولة من هذا كله ، هل هذه ( دولة) ؟. سؤال ملح، يطرح نفسه بقوة الآن!، فإذا كانت دولة عليها (منع) ومحاسبة ومحاربة كل هذا الخرق الفاضح في عمل الدولة ، من قتلِ خارج القانون واغتيال وخطف واعتقال الأبرياء وتعذيب واغتصاب السّجناء ، والاعتداء على الحُرُمات وتهجير المستضعفين ، وفساد الحكومة المالي والإداري ، وإذا كانت (حكومة) وهو المصطلح الأدق لها ، فأن مستقبل ليبيا سيظل مجهولا ،وينذر بخراب أكثر وانهيار وشيك ، وما يحصل الآن في العملية السياسية من صراع على السلطة والمناصب ، والفساد المريع في جميع مفاصل دوائر السلطة الحاكمة ، لهو دليل على أن غياب الدولة والقانون والعدالة هو السائد المنظور ، وان كل ما يصرح به المؤتمر الوطني العام ، وما تصرح به الحكومة وطاقمها والأحزاب المتنفذة، هو تخدير للشعب وضحك على الذقون، لان الحقيقة غير ذلك تماما، فالذي يريد أن يبني دولة عليه أن يحكم بعقلية الدولة والمواطنة ،لا بعقلية الأحزاب والمليشيات والثارات والانتقام والمحاكم الصوريّة الجائرة، فالحِقدُ لا يبني دولة، والظلم لا يُقيمُها ، لان الدولة لا تُبني ، إلا على أساس العدالة ، وعدم تهميش واقصاء الآخرين ، لان الجميع شركاء في الوطن والمواطنة. رغم أن ليبيا تزخر بالخبراء السياسيون الحكماء لكنهم اليوم بلا تأثير ، فهنالك ثمة عوامل سياسية حزبية ضيقة ضاغطة لا تسمح لهم بالمشاركة في إعادة بناء الدولة ثم قيادة زمام أمورها ، هنالك دخلاء يفتقرون إلى التجربة والخبرة السياسية ، يتحصنون بسلاح المليشيات ويعبثون بمصير البلاد والعباد. إن تحكم هؤلاء بمقدرات الواقع السياسي في ليبيا اليوم مؤشر خطير يشير إلى استحالة قيام الدولة المدنية الديمقراطية الحرة التي يطمح كل مواطن إلى قيامها ، فالحكمة تقول (فاقد الشيء لايعطيه) ، والحل يكمن في رحيل كل الدخلاء عن ميدان الحكم والسياسة خاصة في هذه المرحلة الانتقالية التي تتطلب إعادة بناء الدولة من جديد وإفساح المجال لمن يملكون القدرة على قيادة المجتمع وبناء وإدارة شؤون الدولة ، لكن بقاء الحال كما هو ، معناه أن مشروع قيام الدولة المدنية الديمقراطية الحرة في ليبيا الجديدة سيظل حلم بعيد المنال.

بقلم الباحث السياسي والإقتصادي الليبي/ الشتيوي مفتاح الجدي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين الخدمات وتجربة القراء. إذا قررت الاستمرار في تصفح موقعنا فنحن نعتبر أنك تقبل باستخدامهم

لمعرفة المزيد ... أضغط هنا 

موافق